يُعَدّ كتاب «تاريخ سينا القديم والحديث وجغرافيتها»، المعروف أيضًا بعنوانه المطول الذي يشمل تاريخ مصر والشام والعراق وجزيرة العرب وصلاتها التجارية والحربية عبر سيناء، من أبرز مؤلفات نعوم بك شقير في التاريخ والجغرافيا. صدر الكتاب عن مطبعة المعارف بالقاهرة سنة 1916م، ويستند إلى اهتمام المؤلف المباشر بشبه جزيرة سيناء، وما جمعه من معلومات تاريخية وجغرافية ومشاهدات ميدانية خلال عمله وصلاته بالمنطقة.
يقدم المؤلف دراسة واسعة لسيناء، لا تقتصر على سرد تاريخها السياسي، بل تشمل جغرافيتها الطبيعية والإدارية، وتضاريسها وجبالها وأوديتها ومياهها ومعادنها ونباتاتها وحيواناتها، فضلًا عن أحوال سكانها وقبائلها وعاداتهم وعلاقاتهم الاجتماعية. ويتيح هذا التنوع للقارئ تكوين صورة متكاملة عن البيئة الطبيعية والبشرية لشبه الجزيرة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
ويتناول الكتاب تاريخ سيناء منذ العصور القديمة حتى العصر الحديث الذي عاصره المؤلف، مستعرضًا موقعها في الأحداث التاريخية الكبرى، وصلتها بمصر وبلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية. ويولي اهتمامًا خاصًا لمكانة سيناء بوصفها ممرًا جغرافيًا بين قارتي آسيا وإفريقيا، وما ترتب على هذا الموقع من أهمية عسكرية وتجارية وسياسية عبر العصور.
كما يبحث في الطرق التي عبرت سيناء، وما شهدته من انتقال للجيوش والقوافل التجارية، ودورها في التواصل بين الأقاليم المجاورة. ومن خلال هذا المنظور، لا تظهر سيناء مجرد مساحة جغرافية فاصلة، بل منطقة اتصال وتفاعل أسهم موقعها في تشكيل تاريخها وتاريخ المناطق المرتبطة بها.
ومن الجوانب المهمة في الكتاب اهتمامه بال600قبائل السيناوية؛ إذ يسجل معلومات عن توزيعها الجغرافي وفروعها وعاداتها وأنشطتها الاقتصادية وعلاقاتها المتبادلة. وتكتسب هذه المادة أهمية خاصة للباحثين في تاريخ المجتمعات البدوية والأنثروبولوجيا التاريخية، مع ضرورة مراعاة أن أوصاف المؤلف وتقديراته السكانية تعكس ظروف زمنه ومناهجه ومصادره.
وتنبع قيمة الكتاب من جمعه بين التاريخ والجغرافيا ودراسة السكان، فضلًا عن استفادة المؤلف من خبرته الميدانية واطلاعه على المصادر التاريخية. وهو بذلك لا يقدم تاريخًا للأحداث وحدها، وإنما يحاول تفسير الصلات بين البيئة الطبيعية وحركة السكان والتجارة والحروب، وإبراز أثر الموقع الجغرافي في تطور سيناء وعلاقاتها الإقليمية.
ويُعَدّ الكتاب مرجعًا مهمًا للمهتمين بتاريخ سيناء وجغرافيتها، وتاريخ مصر والشام، والقبائل العربية، وطرق التجارة والحملات العسكرية في المنطقة. كما يفيد في دراسة صورة سيناء وأحوالها الطبيعية والبشرية في مطلع القرن العشرين، ويتيح للباحثين مقارنة أوصاف المؤلف وبياناته بما توصلت إليه الدراسات اللاحقة.
وتزداد أهمية الكتاب عند قراءته في سياقه التاريخي، مع التمييز بين المعلومات التي يمكن الاستفادة منها في توثيق أوضاع سيناء في عصر المؤلف، وبين التفسيرات والأحكام التي قد تحتاج إلى مراجعة في ضوء الاكتشافات الأثرية والبحوث الجغرافية والتاريخية الحديثة.




































التقييمات
لا توجد تقييمات بعد.